أبي نعيم الأصبهاني

387

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

ومحل قلوب الذاكرين متفاوتة . فأصل الذكر إجابة الحق من حيث اللوازم لقوله عليه السلام : « من أطاع اللّه فقد ذكر اللّه وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته » . ثم ينقسم الذكر قسمين ظاهر وباطن ، فأما الظاهر فالتهليل والتحميد والتمجيد وتلاوة القرآن . وأما الباطن فتنبيه القلوب على شرائط التيقظ على معرفة اللّه وأسمائه وصفاته ، وعلى أفعاله ونشر إحسانه وإمضاء تدبيره ونفاذ تقديره على جميع خلقه ، ثم يقع ترتيب الأذكار على مقدار الذاكرين ، فيكون ذكر الخائفين على مقدار قوارع الوعيد وذكر الراجين على ما استبان لهم من موعده ، وذكر المجتنبين على قدر تصفح النقباء ، وذكر المراقبين على قدر العلم باطلاع اللّه إليهم ، وذكر المتوكلين على قدر ما انكشف لهم من كفاية الكافي لهم ، وذلك مما يطول ذكره ويكثر شرحه . فذكر اللّه منفرد وهو ذكر المذكور بانفراد أحديته على كل مذكور سواه ، لقوله تعالى : « من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي » . والثاني إفراد النطق بألوهيته . لقوله عليه السلام : « أفضل الذكر لا إله إلا اللّه » . [ ذكر جماعة من نساك بلدنا وعبادهم ] * قال الشيخ : سألتم عن إيداع ذكر جماعة من نساك بلدنا وعبادهم ليكون الكتاب مختوما بذكرهم ونشر أحوالهم . واعلموا أن طريقة المتقدمين من نساك بلدنا القدوة والاتباع لمتقدميهم من العمال والعلماء الذين لحقوا الأئمة والاعلام . وقد ذكرت جماعة منهم في كتابنا بطبقات المحدثين من الرواة من أهل بلدنا : منهم محمد بن يوسف المعداني المعروف بعروس الزهاد ومن ينحو نحوه في التنسك والتعبد ، والغالب من أحوالهم اغتنام الوقت وعنايتهم بجمع الهم ومحافظة الأوراد والتشمر للارتياد ، والتسارع إلى الاستباق . فأما بسط الكلام في الأحوال والمقامات قولا بلا فعل فيرونه دعاوى لا حقيقة لها ، يحترزون منها غاية التحرز ، لا يريدون عما حواليهم بدلا ، ولا يبغون عنها حولا . كانوا كما وصفهم به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، من أحوال المختارين من الصحابة والسالكين طريقتهم من التابعين فيما رواه عنه نوف البكالي وكميل